شمس الشموس المحمدية تشرق من الذات التماسنية

المتحابون لوجه الله يظلهم الله بظله يوم لاظل الا ظله
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر
 

 المحبة الإلهية والعشق المتصوف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
عضو ماسي
عضو ماسي
Admin

ذكر عدد الرسائل : 95
العمر : 36
المزاج : خادم الأعتاب التماسنية
تاريخ التسجيل : 12/08/2008

المحبة الإلهية والعشق المتصوف Empty
مُساهمةموضوع: المحبة الإلهية والعشق المتصوف   المحبة الإلهية والعشق المتصوف Icon_minitimeالجمعة 15 أغسطس 2008 - 20:20

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلى على سيدنا حمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي الى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

تعتبر جدلية العلاقة بين الذات الإلهية والإنسان من أكثر المواضيع عرضة للإختلاف والنقد. والسبب هو أن تلك العلاقة بطبيعتها الصوفية المتجردة هي نتاج لتجربة فردية يمر بها شخص ما لا يشاركه في مقدماتها أو أحداثها أو نتائجها أحد. وبسبب طبيعتها الشخصية فإنها غير قابلة للبرهان والإثبات. وهذا هو بالضبط هو أحد أهم إشكالياتها، ولكنها ليست الوحيدة.

فالتصوف الإسلامي برموزه الكثيرة وعلى مر التاريخ والأزمان، والتوجهات المتزهدة المتصوفة المسيحية والتي تسعى بالدرجة الأولى إلى عكس آلام المسيح على الصليب على جسد المتزهد وكما يمثله القديس فرانسس مثلاً، والـ "كبالاه" اليهودية في مقداماتها بصورة خاصة، كل هؤلاء ينطلقون من أديان وعقائد محددة تحكمها نصوص مكتوبة هي في ذاتها مقدسة. وبسبب أن تلك النصوص لا تتطرق بطبيعتها إلى "طرق" صوفية محددة، فإن التصوف، وخصوصاً في الإسلام، قد تعرض للهجوم والتهميش من جانب المؤسسات الفقهية الرسمية والتي تدعي الدفاع عن العقيدة. وبسبب هذا الهجوم، والذي تعدى في أحيان كثيرة إلى مرحلة الإضطهاد، سقط الكثير من الضحايا بين قتيل أو مسجون أو معذب أو مطارد من بين المتصوفة من أول الحسين بن منصور الحلاج، ومروراً بعين القضاة الهمداني وشهاب الدين السهروردي المقتول، ونهاية بعصرنا الحديث وما يتعرض له الفكر الصوفي من هجوم وتهميش وعلى الأخص من المؤسسات السلفية الرسمية وغير الرسمية.

إذن الإشكالية في التراث الصوفي وأدبياته يكمن في محورين. الأول، هو أن التصوف تجربة شخصية ذاتية يمر بها المتصوف وهي غير قابلة للبرهان للآخرين بسبب ذلك. المحور الثاني، هو أنه بسبب إنتماء التصوف الديني، المحكوم بالنص المقدس، فإن نقد التصوف ينبع دائماً من التفسير الحرفي لهذا النص، وكأن النص واضح الدلالة في أغلبه وغير حمّال لأوجه.

بعد هذه المقدمة الضرورية لإشكالية التصوف مع الآخر المختلف، أستدعي الغرض من هذه المقالة.

درج بعض من ينتقد أدبيات المتصوفة على جرح مفهوم العشق الإلهي عندهم على أساس الآية الكريمة من سورة الأعراف (وادعوهُ خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين)، والآية الكريمة من سورة السجدة (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون). ووجه الجرح هنا هو أنّ العبادة هي نوع من المقايضة بين الرب وعبده. وبسبب هذه المقايضة في العبادة فإن النتيجة هي أمانٌ من خوف ومكافأة على عمل. هي طمع في ثواب وهروب من عقاب. بل الدعوة من الرب جل شأنه صريحة في أن العبادة على معنى الخوف والطمع. ولكن المتصوفة في حبهم الإلهي هذا لا يعبدون الله تعالى إلا على معنى الحب والمعرفة للمحبوب. بل هناك من النصوص الصوفية ما يُفهم منها أن المتصوف يتساوى عنده ثواب الرب جلّ شأنه وعقابه، ولا يهتم إلا بحصول المعرفة الإلهية.

وفي الحقيقة أن هذا النقد لا يصمد أمام الأدبيات الصوفية المخطوطة والمنشورة في معنى الحب والمحبة والعشق الإلهي. إذ أن هذا النقد مبني أساساً على فهم محدد للخوف والطمع يستدعيه الناقد في جرحه، ولكنه ينسى أن النص المقدس، أي نص مقدس، هو مصدر إلهام متعدد المستويات لمعتقديه. هو مدخلٌ للغوص في المعاني والفهم الذي لا يحده زمان ولا مكان، وإلا كيف يكونُ هذا نصاً مقدساً؟

سوف أستعين هنا في بيان معنى المحبة الإلهية والعشق المتصوف على مصدر وحيد هو "مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب"، لعبد الرحمن بن محمد الأنصاري المعروف بـ "إبن الدباغ". فهذا المصدر هو، في إعتقادي، من أشمل المصادر الصوفية على الإطلاق في موضوع المحبة والعشق وبيان مقاماتهما ومعانيهما وطرقهما.

ففي البداية يقول لنا إبن الدباغ أن الهدف في هذه الحياة هي "السعادة الأبدية" فيقول:

"إعلم أن أجلّ ما في الوجود السعادة الأبدية، ولا يتوصل إلى هذه السعادة إلا بمحبة الحق تعالى بكل القلب من غير شرك في محبته". إنتهى النقل.

ولكننا نتوقف هنا لنتأمل في قول إبن الدباغ "من غير شرك في محبته"، إذ كيف نفهم خلاص القلب بالكلية من حب غير الله؟

والحقيقة، وإن كانت هذه العبارة لها أساسٌ في الحديث النبوي الشريف في حبه (ص)، فإن مستويات المحبة هي التي تتبادر إلى الذهن هنا. فأنا أحب الرب جل شأنه ولكنني أحب النبي أيضاً. وأحب أبي وأمي، وأخي وأختي، وزوجتي وأبنائي، ومالي وأرضي، ومن أهوى وأعشق. لكن المختلف هنا هو المستوى في المحبة. فأنا بالتأكيد لا أحب مالي بنفس مستوى حبي لإبني، ولا حبي لإبني يماثل حبي لربي. أليس هذا بديهياً في أذهاننا؟

ولكن إبن الدباغ هنا لا يقصد هذا المعنى حتماً. بل هو يقصد المعنى الحرفي للكلمة "بالكلية". إذ الطريقة الصوفية للعشق والمحبة تتطلب أن تُفرغ قلبك من أي فكر أو ذكر سوى حبيبك ومعشوقك. فالمحبة الصوفية هي محبة محضة خالصة وحيدة يتيمة لا شراكة فيها وعلى كل المستويات. بل في الحقيقة، لا نستطيع أن نفهم الإعتذار الذي قدمته رابعة العدوية مناجية النبي (ص) بأن حبُ الله لم يُبقي في قلبها مكاناً يسع غيره، لا نستطيع أن نفهمه إلا على هذا المعنى فقط.

ثم يقدم لنا إبن الدباغ وصفاً للعاشق في بداية غرامه وحبه، فيقول:

"نجد العاشق يسلبُهُ عشقهُ للكمال عن لذة المطعم والمشرب والنوم وهي من الأمور الضرورية للجسم. بل يحصل للنفس من الطرب والسرور بما هي فيه من اللذة الروحانية ما يشغلها عن الشعور بما فاتها من اللذات الخسيسة. وعند ذلك تتوجه إلى حب اللذات الروحانية ويصير حبها للصفات المعنوية أكملُ إلى أن تتبرم بما كانت فيه من قبل". إنتهى النقل.

أقول أنا فرناس: ومن هذا النص لإبن الدباغ نستطيع أن نفهم ما ورد عن رابعة العدوية مما إعتبر شطحاً في مسألة رفض نعيم الجنة الحسي والذي ورد في آيات متعددة في القرآن الكريم. إذ أن المُحبّ أو العاشق هنا لا يستطيع أن يلتذّ بالحس، بل هو في الحقيقة لا يفهمه، أو بالأحرى فقد القدرة على فهمه بعد أن عاش تجربته الروحية. ولذلك يتعجب ممن أفاض الجمال الروحي عليه، أي الحق سبحانه وتعالى، أن يكون خطابه للآخرين حسياً.

هذا "التبرم" من الحالة التي كان عليها قبل التجربة الروحية منشأه فقد القدرة على مقارنة حالته تلك بالحالة التي أصبح يعايشها. بل في الحقيقة لا مقارنة بين ما كان عليه وما أصبح به الآن من "السعادة الأبدية" من وصال حبيبه في نظر المتصوف. بل في الحقيقة فإن هذه الحالة الراهنة لا تكفيه. يقول إبن الدباغ:

"وعند ذلك تتسلط عليه دواعي الشوق إلى إستكمال وصال هذه النفس المعشوقة والإتحاد بها. إذ وصال الأرواح إتحادها الذي معناه قربُ المناسبة بين النفسين حتى لا يخطر للعاشق أن ذاته شيء غير ذات محبوبه، بل يعتقد أنه هو. وبحصول هذا الإتحاد يزول معنى الفراق الذي هو عذاب النفوس. فالفرقة عذابٌ ولا سيّما فراق المُشاكِل. وكلما هاج الشوق إنزعجَ القلب إلى كمال الوصال، والوصالُ وصال الأرواح لا مجرد لقاء الأجسام".

ويقول:

"فالمحب لا يـُقنعه من محبوبه شيء، ولا يقف في شهوده مع شيء دون شيء، حتى يصل إلى الكمال في المشاهدة".

أقول أنا فرناس: إذن معنى الوحدة على فهوم العاشقين من المتصوفة هو ليس الإدعاء بالحلول كما يدعي معارضيهم جهلاً بحالهم، وإنما هو الشعور الطاغي بأن النفسين هما شيء واحد على الوهم، لا على الحقيقة. وهنا تكمن اللذة المطلقة في لقاء المحبوب. لذة الوصال مع المحبوب على أشرف صورها عند المتصوفة. وأنا هنا لا أنكر بأن بعض المتصوفة، أو ممن حُسب عليهم، قد إدعى بالحلول وحتى الإلوهية. ولكن، وكما في مذاهب المسلمين كلها وبلا إستثناء، سنة أو شيعة أو حتى خوارج وباطنية، فإن الشاذ لا يُحتجّ به على العام، والفهم الصحيح لا يمحيه ويبطله رأي سقيم من هذا أو تصرف باطل من ذاك. بل إن القوم في أكثرهم منكرون لما يخالف هذا الفهم. ولا يفيد هنا أن يحتج أحدهم بكتابات لأفراد متصوفة معدودن، لأن ما كتبه هؤلاء يناقض ما كتبه وشرحه غيرهم. والمنصف هو عرض على ذهنه وفكره كل ما كتبوه ليعرف الغث من السمين.

ولكن رحلة الصوفي على الحقيقة هي مقامات ومراتب يتطور بها الصوفي مرتبة مرتبة، ومن حال إلى حال، ومن مُقام إلى مقام. يقول إبن الدباغ:

"إعلم أن المحبة هي أصل جميع المقامات والأحوال. إذ المقامات كلها مندرجة تحتها، فهي إما وسيلة إليها أو ثمرة من ثمراتها كالإرادة والشوق والخوف والرجاء والزهد والصبر والرضى والتوكل والتوحيد والمعرفة". إنتهى النقل.

هنا نصطدم بمعنى الآيتين الشريفين من سورتي الأعراف والسجدة واللتان ورد ذكرهما أعلاه. إذ من غير المفهوم أن يجتمع خوف ومحبة في قلب متصوف. هذا تناقض على المستوى الروحي للحب والعشق على معناهما الصوفي. فالحب كما عرّفهُ إبن الدباغ نفسه بقوله:

"المحبة لا يـُـعبّرَ عنها حقيقة ً إلا من ذاقها. ومن ذاقها إستولى عليه من الذهول عن ما هو فيه أمرٌ لا يمكنه معه العبارة".

"حقيقة المحبة أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب".

"المحبة أن تهب كُــلّيتكَ لمحبوبك فلا يبقى لك منك شيء".

"ولو أنّا وجدنا عبارة عن اللذة الحاصلة للمُحب عند تصّور حضرة محبوبه بلفظ هو أعظم من لفظ الإبتهاج، لشرحنا به معنى المحبة. لكن لا يمكن أن توفي بذلك عبارة، وناهيك من لذة هي لذة الملائكة المقربين وخواص أصفياء الله العارفين، فهي أعظم من أن تمر على خاطر". إنتهى النقل.

إذن المحبة هي أن يتم محو كل شيء من قلب المتصوف حتى لا يبقى به شيء سواه جلّ شأنه. وهي الإبتهاج عند تصور محبوبه. إذن لا يستقيم إبتهاج وخوف في نفس هذا المتصوف. وكما قلت أعلاه، هذا تناقض. ولكن إبن الدباغ يشرح لنا الخوف والرجاء على المعنى الصوفي:

"أما الخوف والرجاء فهما مقامان من مقامات عوام المحبين السالكين (.....) فإن من أحبّ شيئاً رجا ثبوته ودوامه وخاف فقده أو الإنقطاع عنه، لكن إذا غلب على المحب إحدى هاتين الصفتين ودام سُميّ المحب بذلك الوصف، وإنفراده بأحدهما مع عدم الآخر نقص". إنتهى النقل.

إذن معنى الآيتين الكريمتين على فهم المتصوفة، هو بالتأكيد ليست عملية مقايضة بأي شكل من الأشكال. والعبادة ليست هدفها هروب من عذاب أو طلب ثواب، ولكن دعاء الخوف والطمع على معنى الطمع في مشاهدة محبوبه ووصاله، والخوف على معنى فقدان ذلك. ولكن الوقوف مع الخوف والطمع سوف يحرم المتصوف من الإرتقاء في سلم المحبة الإلهية، ولذلك الوقوف معهما يعتبر منقصة لأن القلب أصبح مشغولاً بهما على أن يكون مشغولاً بالمحبوب.

ويزيدنا إبن الدباغ شرحاً فيقول:

"فعندما تذهل النفس عن عالم الحس، بل عالمها الخاص بها وهو بدنها وقواها، وتصير علوية ليس لها همة إلا الصعود والإرتقاء والرفض لما سوى المحبوب، وهو مقام الحرية. فإن معنى الحر من لا يسترقه شيء من الأكوان وأعراضها. بل لا يسترقه شيء غير محبوبه". إنتهى النقل.

ثم يعلنها لنا صراحة، فيقول:

"فالعقاب والثواب إذا رضيّ بهما المحبوب، سِيّان".

إذن الحب المتصوف هو أسمى أنواع الحب على الإطلاق، لا يشارك المحبوب في قلب المحب أحدٌ أو شيء أو فكرة أو رغبة أو رهبة أو طلب أو دفع. لا شيء إلا المحبوب. وعلى هذا المعنى أتت عبادة المتصوفة، وأتى فهم الآيتين عندهم.

ولا بأس في نهاية المقال أن أنقل قول الشيخ نجم الدين كُبرى في كتابه "فوائح الجمال وفواتح الجلال":

"نهايات المحبة بداياتُ العشق. المحبة للقلب، والعشق للروح، والسر يجمع الأحباب".

_________________
من يعتصم بك ياخير الورى شرفا فالله حافظه من كل منتقم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://za3ime.roo7.biz
 
المحبة الإلهية والعشق المتصوف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شمس الشموس المحمدية تشرق من الذات التماسنية  :: الطريقة التجانية :: التصوف وأئمة التصوف-
انتقل الى: